علي الأحمدي الميانجي
155
التبرك
حجّة وبرهاناً ؛ لأنّ سيرة الصحابة بل التابعين تكشف عن ترخيص رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لهم أو تقريره لعملهم . وممّا يمثِّل لنا احترام المسلمين لقبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وتوسّلهم وتبرّكهم به وطوافهم حول قبره صلى الله عليه وآله ، ما نقله المبرّد في الكامل من إلحاد الحجّاج وكفره لعنه اللَّه وأخزاه ، قال في تفسير رثاء الفرزدق « 1 » ابني مسمع قال : « وممّا كفّرت به الفقهاء الحجّاج بن يوسف قوله - والناس يطوفون بقبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ومنبره وإن شئت قلت : يطيفون - إنّما يطوفون بأعواد ورمة » « 2 » . ومراد هذا الملحد الملعون من الأعواد : المنبر ، ومن الرمة : العظام المقدّسة لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فيسخر من المسلمين ويهزأ بهم ويوبّخهم في أنّهم يطوفون حول الأعواد والعظام البالية ، خلافاً للكتاب والسنّة ، وجرأةً على اللَّه ورسوله ، واستخفافاً وإهانة بالنبي العظيم صلى الله عليه وآله ، ومرادنا من نقله أنّه يعطينا أنّ المسلمين كانوا وقتئذ يطوفون حول القبر الشريف ، وعليه جرى سيرتهم وفيهم العلماء والفقهاء - كما يظهر من تكفيرهم للحجّاج وفيهم أيضاً التابعون الكبار ، والصحابة الكرام حتى استخف بهم الحجّاج ، وختم في أعناقهم « 3 » . ذكر ابن أبي الحديد في شرحه « 4 » قال : خطب الحجّاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالمدينة فقال : تبّاً لهم إنّهم يطوفون بأعواد ورمة بالية ، هلّا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ، ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله ؟ !
--> ( 1 ) في المجلّد الأوّل : 130 ط مطبعة الاستقامة . ( 2 ) راجع أيضاً النصائح الكافية : 81 عن الجاحظ ، والغدير 10 : 51 عن النصائح عن الجاحظ ، وبهج الصباغة 5 : 291 ، 319 عن العقد الفريد ، وص 338 عن كتاب افتراق هاشم وعبد شمس للجاحظ ، والعقد الفريد 5 : 51 ، ووفيات الأعيان 2 : 7 . ( 3 ) راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي : 215 . ( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 242 .